الأحد، 21 أغسطس 2016

حرب الحواس الزائدة لـ:/فاطمة فدّاوي شاهين دواجي / الجزائر

مأساة لا منتمي / قراءة في حرب الحواس الزائدة لـ:/فاطمة فدّاوي شاهين دواجي / الجزائرـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ حرْبُ الحواسّ الزّائدة ....ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوكأنّني في سحيقٍ من الخِلجانأسحلُ ذاكرةً ليستْ على ما يُرامْ....ألفُ لعْنة لروحٍ لها من الحدَسِ عشْرا أو أكثرْتُعْرِضُ عن سفيهِ الشّعورِ والهمْس المُشفّرْألفُ لعنةٍ لرُوحي التي تُسيّجُني , وتفهمُ من الكلامِماوراءَ الكلامْ ....ليْلي , ليْس على ما يُرامْ ...وآنفِطارٌما , يُحاصرُ قلبِي فيدهسُهُكمْ هِي ضرُوسٌ حربِي مع حواسّي الزّائدةكحربِ الضّرغامِ مع الضّرغامْ ....أتضرّعُ لِمسائي أن يُصنّفنِي صفْعةَ ماءٍفأنطفئُ , وتيْبسُ أغصانٌ رويْتها بسُهديولظى نفْسيأعوامًا وأعوامْ ...ــــــ فاطمة فدّاوي ـــــــ- الشاعر كائن دائم الهم بما حوله يحاول – على ضعفه - ممارسة سلطة على الكون محاولا إعادة ترتيبه وفق نمط تصوّره فإن حصل له هذا هدم وأعاد التّرتيب مجدّدًا ، في هذه الثّنائيّة من الهدم والبناء نسمّي مخلوقًا ما شاعرًا ، ولايكون هذامن الشاعر إلّا حين يبلغ مرحلة من النّضج يتملّكه فيها الشّعور أنّه المعلّم الأوحد على الأرض والمسؤول عن تفاصيل كينونة الوجود فيها ، لا أنسى هنا مقطوعة السوريّة فردوس النجار :" ليس حُلُماً "*عندما ثَقُلَتِ الأرضُ..*حَمَلتُ الطَّريقَ وحدي*. فَوَصَلَتِ الحياة !- حيث تظهر نرجسية المعلّم في أبهى صورها حيث يكون الشاعر سببًا في إنقاذ الأرض .- في خضمّ تجربة النرجسيّة لابدّ على المعلّم أن يعرّف بنفسه ليكون مقنعًا فيقدّم" بطاقة هويّته "ليحصل له القبول في مدرسة الحياة - وإن كان يرى نفسه الحياة نفسها - هذا من جهة ، من جهة أخرى ،يحدث أن يسكت الشاعر دهرًا ليرتاح من خارجه وينظر إلى داخله ، ليعرّج على كلّ المسالك داخله فيشعل المناطق المظلمة بسرج التأمّل تمهيدًا لولادة فحلٍ جديدٍ ينطّ من أحشائه متى تعدّى مرحلة الجنينيّة . ولن نتعب في الحصول على نماذج لهذه التجربة فقد كتب درويش بطاقة هوية ، وسميح القاسم :النخلة وغير هذا كثير .- وأكاد أقطع أنّ "فاطمة فدّاوي" في نصّ: "حرْبُ الحواسّ الزّائدة" بلغت هذه المرحلة لأنّ كل التّمفصلات النّصيّة تشي بهذا كما سأبيّن بعد قليل . - بدايةً أجدُهُ شيئًا مهمًّا أن أنوّه الى أنّ الفعل النصّي عند الأستاذة فاطمة يقوم على خاصيتين :- أ/الفكرة الفلسفية: فلا تكون نصوصها إلّا نماذج لممارسة التّفكير وفق ما تعرفه من ومضات الفكر ووفق ما تؤمن به ، ويمكننا تصنيف بنات أفكارها في خانة الوجودية القلقة التي تتماهى والعبث أحيانًا .- ب/ التّطرّف في الإنزياح : ولا أقصد أنّ غير الأستاذة لا يستعمل الإنزياح في شعره ، إنّما أقصد أسلوب استخدام الإنزياح نفسه ، فلئن كان الإنزياح هو الجمع بين المتنافر من العلامات في الأنساق الكبرى فإن الأستاذة تعمل على مزيد من التباعد بين هذه العلامات إن على المستوى الأفقي أو العمودي .- قلت: التشكيل من نوع التشكيلات النفسية باِمتياز حين يحاول تعريّة الذات الإنسانية وإجلاء قلقها النّاجم عن الشعور بالغربة داخل الجماعة جرّاء عظمِها و خيبة أملها تجاه مجتمعٍ بعيد عن تصوّراتها :*وكأنّني في سحيقٍ من الخِلجان*أسحلُ ذاكرةً ليستْ على ما يُرامْ.......*ليْلي , ليْس على ما يُرامْ ...*وآنفِطارٌ ما , يُحاصرُ قلبِي فيدهسُهُ- الشّاعرة كما نرى تعتبر نفسها "لا منتمي " داخل النّسق الإجتماعي ومن هنا تعظم أزمتها وقلقها .- ثمّ تنتقل الشاّاعرة لتبرّر سبب القلق والحيرة داخلها :*ألفُ لعْنة لروحٍ لها من الحدَسِ عشْرا أو أكثرْ*تُعْرِضُ عن سفيهِ الشّعورِ والهمْس المُشفّرْ*ألفُ لعنةٍ لرُوحي التي تُسيّجُني , وتفهمُ من الكلامِ*ماوراءَ الكلامْ ....- كما اسلفت - وكما هو ظاهر هنا في هذا المقطع – ازمة هذه الذات من عظمها حيث يتعدّد( الحدس )عندها فتتنوّع الآفاق و المواهب ، ولا تفهم لغتها في جماعتها لأنّها (مشفّرة ) ،من الجانب الآخر تفهم هذه الروح" ماوراء الكلام " أي أن هذه الرّوح تدين بدين التأويل وتتأوّل الكون وفق وعيها لأنّها مسؤولة عن هذا الكون .- الرّوح حينئذٍ عبْء على الشاعرة لأنها تمنع الذات من الأنطلاق نحو المطلق فهي تستحق اللّعن ألف مرّةٍ . ثمّ تكون الشاعرة مظطرّةً إلى أن تحارب في عدة جبهاتٍ ضدّ ( الحواس الزّائدة ) ضدّ المواهب النّادرة ، ضدّ عظمها ... نذكر أنّ الثقافة التقليديّة كان الكبير فيها يفتخر بعظمته ومجده ، فاطمة فدّاوي هنا تشتكي من العظمة ؟:*كمْ هِي ضرُوسٌ حربِي مع حواسّي الزّائدة*كحربِ الضّرغامِ مع الضّرغامْ ....- ثمّ لا تكون النجاة من هذه العذابات إلّا بحلّ إنتحاريّ :*أتضرّعُ لِمسائي أن يُصنّفنِي صفْعةَ ماءٍ*فأنطفئُ , وتيْبسُ أغصانٌ رويْتها بسُهدي*ولظى نفْسي*أعوامًا وأعوامْ ...- تترك الذات كلّ شيءٍ وتنسحب فلم يعد لديْها ما تخسره حين تجد رؤيتها وأحلامها تذهب أدراج الرّياح .- خاتمة :-النص يعالج فكرة اللامنتمي وغربته داخل الجماعة كما يقرأ هذا النصّ – في فرديّته ونرجسيّته - عدة نصوص من التّراث العربي لعلّ أهمّها بيتي المتنبي الشهيرين : * ذوالعقل يشقى في النعيم بعقله *** وأخو الجهالة في الشّقاوة ينعم .*إذا كانت النفوس كبارا ***تعبت في مرادها الأجسام- لا يمكن أن نغفل الأشارة البارعة "للتأويل " الذي تشي لغة الشاعرة أنّه دين الكتابة الأبداعيّة عندها فلا يمكن أن نقرأ نصوص الأستاذة فدّاوي ألّا في ظلّ منهج تأويلي ينظر في "الشيفرة " التي تشكّل قوام العلامات والانساق ، حالها في هذا حال المتصوّفة حين ابتدعوا لغةً خاصّةً بهم لا تفهم ألّا عن طريق التأويل فلا يمكن أن ننسى شطحاتهم كنحو :"خضنا بحرًا وقف الأنبياء بساحله " وقول صاحب الفيض الرحماني في القدر .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق